فصل: حيثُ ثبوتُ قَتْلِهِ بالبيِّنَه *** أَوْ بِقَسامَةٍ له مُعَيَّنَهْ

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البهجة في شرح التحفة ***


وَمَالِكٌ فيما رَوَاهُ أَشْهَبُ *** قَسَامَةٌ بِغَيْرِ عَدْلٍ يُوجِبُ

‏(‏ومالك‏)‏ مبتدأ ‏(‏فيما رواه أشهب قسامة بغير عدل يوجب‏)‏ خبر وقسامة مفعوله والمجروران يتعلقان به أي‏:‏ ومالك يوجب القسامة بشهادة الواحد غير العدل فيما رواه أشهب ولا إعذار فيه أيضاً إلا بما يعذر به في اللفيف المتقدم، وهذا وإن كان المشهور خلافه، ولكن لا ينبغي أن يهدر هذا القول ويلغى بالنسبة للمتهم المعروف بالعداء لموافقته لما به العمل كما مر في بابي السرقة والغصب ولعل مالكاً إنما قال في هذه الرواية بأن شهادة غير العدل لوث نظراً إلى كون المدعى عليه متهماً معروفاً بالعداء وسفك الدماء، ويؤيده ما يأتي عن ابن رحال في التدمية البيضاء، وأيضاً فإن التكليف شرطه الإمكان، وقد لا يحضر قتله إلا غير العدل فشهادته، وإن لم توجب قصاصاً فلا أقل من أن توجب مع القسامة الدية ولا سيما إذا كان مستور الحال، فشهادته حينئذ أقوى في اللوث من مجرد قول المدعي دمي عند فلان الذي أشار له بقوله‏:‏

أو بمقَالةِ الْجَرِيحِ المُسْلِمِ *** البَالِغِ الحُرِّ فُلاَنٌ بِدمِ

‏(‏أو بمقالة الجريح‏)‏ أي الذي به جرح لا يفعله المرء بنفسه أو أثر ضرب أو أثر سم ‏(‏ المسلم البالغ الحر‏)‏ العاقل ولو سفيهاً أو مسخوطاً ادعى بذلك على ورع أو زوجة على زوجها أو ولد على أبيه أنه ذبحه أو شق بطنه ‏(‏فلان بدمي‏)‏ أي قتلني كان فلان كافراً ذكراً أو أنثى حراً أو عبداً مسلماً أو ذمياً صبياً أو بالغاً عاقلاً أم لا‏.‏ هذا إذا قال‏:‏ قتلني عمداً بل ولو قال‏:‏ قتلني خطأ فيقسم الأولياء ويستحقون القود أو الدية، ومفهوم قتلني أنه إذا قال‏:‏ جرحني أو قطع يدي فإنه لا قسامة وهو كذلك ما لم تكن بينه وبين المدعى عليه عداوة فإنه يحلف ويقتص كما يأتي في الجراح‏.‏

يَشْهَدُ عَدْلاَنِ عَلَى اعْتِرَافِهِ *** وَصِفةُ التمييزِ مِنْ أَوْصَافِهِ

‏(‏يشهد عدلان على اعترافه‏)‏ أي على قوله فلان بدمي أو قتلني ويستمر على إقراره، فل قال‏:‏ قتلني فلان بل فلان بطل الدم، وكذا لو قيل له من جرحك‏؟‏ فقال‏:‏ لا أعرفه، ثم قال‏:‏ فلان أو قال دمي عند فلان أو فلان على جهة الشك أو دمي على جماعة، ثم أبرأ بعضهم أو دمي على رجل ثم دمي عليه وعلى غيره فإن تدميته ساقطة كما في البيان ‏(‏و‏)‏ الحال أن ‏(‏صفة التمييز‏)‏ وقت اعترافه ‏(‏من أوصافه‏)‏ فلا يقبل قوله مع وجود اختلال في عقله ولو كان بالغاً وفهم من قوله الجريح إن مقالة الذي لا أثر جرح فيه ولا أثر ضرب ولا أنه يتقيأ سماً أو يتنخم دماً لا تقبل، وهو كذلك على المعمول به كما في المتيطية وغيرها لأنها تدمية بيضاء، واعتمده ‏(‏خ‏)‏ حيث قال‏:‏ إن كان بجرح‏.‏ قالوا‏:‏ وعليه فلا يسجن المدمي عليه قبل موت المدمى لأنه قد يتهم أن يكون أراد سجنه بدعواه، فإن مات سجن‏.‏ وقال ابن رحال‏:‏ المذهب قبول التدمية البيضاء لأنه مذهب المدونة كما صرحوا به، وبعضهم يقول‏:‏ هو ظاهر المدونة‏.‏ قال ابن مرزوق‏:‏ وهو الراجح نقلاً ونظراً قال‏:‏ وهو الذي ينبغي للمقلد أن يفتي به ثم قال‏:‏ ومداره على غلبة الظن بصدق المدمى كما قاله الشاطبي‏.‏ ألا ترى إذا غضب شرير شأنه الفتك على صالح لأجل شهادة عليه مثلاً فقال الصالح‏:‏ دمي عند فلان فإنه يقتل به لأن الغالب على الصالح أنه لا يكذب عليه انتهى‏.‏

وكله مأخوذ من كلام اللخمي، ونص المقصود منه على نقل الأبي القائل بأعمال التدمية، وإن لم يظهر لها أثر‏.‏ أصبغ‏:‏ وهو ظاهر إطلاق الروايات والقائل بإلغائها حتى يظهر الأثر‏.‏ ابن كنانة واختاره اللخمي وابن رشد وبه العمل‏.‏ قال اللخمي‏:‏ إلا أن يعلم أنه قد كان بينهما قتال ويلزم الفراش عقب ذلك، أو كان يتصرف تصرف مشتك عليه دليل المرضى وتمادى به ذلك حتى مات قال‏:‏ يعني الأبي وباختيار اللخمي هذا أفتيت اه‏.‏ ويؤيده أيضاً ما يأتي في الجراح من أن من ادعى على شخص أنه قطع يده مثلاً وكانت بينهما عداوة أنه يحلف ويقتص منه، وهذا كله مما يقوي قول الناظم‏:‏ ومالك فيما رواه أشهب‏.‏ من أنه يعمل بشهادة غير العدل على المعروف بالعداء، ويقوي أيضاً مستند العمل المتقدم في الغضب والله أعلم‏.‏ واحترز بالمسلم من الكافر، وبالبالغ من الصبي، وبالحر من العبد، وبالمميز من المختل العقل فلا عبرة بتدميتهم وكيفية وثيقتها عاين شهيداه يوم تاريخه فلاناً وبرأسه أو يده أو جسده جرح مخوف مما لا يفعله المرء بنفسه أو أثر ضرب أو يتقيأ سماً أو يتنخم دماً أو بجسده نفخ، وأشهدهم أن فلاناً أصابه بذلك عمداً أو خطأ، أو أشهدهم أن مملوك فلان أصابه بذلك بأمر سيده فلان وتحريضه عليه، وقوله له‏:‏ اضرب اضرب اقتل اقتل وأنه يجد من ذلك ألم الموت فمتى قضى الله بوفاته ففلان المؤاخذ بدمه أو فلان ومملوكه المؤاخذان به إشهاداً صحيحاً عارفاً قدره وهو في صحة عقله وثبات ميزه ومرض من ألم الجرح وطوع وجواز وعرفه وعرف المدمى عليه وفي كذا بأن سقط منها معاينة الجرح المذكور وما معه أو لم يقل مخوف مما لا يفعله المرء بنفسه الخ‏.‏ فإنها تدمية بيضاء لأن الجرح الخفيف لا يعتبر، وقد علمت ما في البيضاء من الخلاف، والراجح أعمالها في هذه الأزمنة لغلبة الفساد كما مر، ولا سيما إذا كانت بينهما عداوة‏.‏ وقولي‏:‏ وأشهدهم الخ‏.‏ لا مفهوم له بل وكذلك إذا لم يشهدهم وإنما قالوا سمعنا منه ذلك يحكيه للغير كما هو ظاهر قوله‏:‏ يشهد عدلان على اعترافه، وقوله‏:‏ أو بمقالة الجريح، وقول ‏(‏خ‏)‏‏:‏ كأن يقول بالغ حر الخ‏.‏ وقوله‏:‏ عمد أو خطأ لا مفهوم له أيضاً، بل كذلك إذا لم يبين عمداً ولا خطأ فإن أولياءه يبينون ويقسمون على ما بينوا فيستحقون كما قال ‏(‏خ‏)‏ أو أطلق وبينوا لا خالفوا أي لا إن قال عمداً وقالوا هم خطأ أو بالعكس، فتبطل التدمية‏.‏ وقولي‏:‏ بأمر سيده احترازاً مما إذا لم يقل ذلك فإن السيد لا شيء عليه، وقوله‏:‏ اضرب اضرب الخ‏.‏ زيادة تأكيد وإلاَّ فقوله بأمر سيده كاف في مؤاخذة سيده ‏(‏ خ‏)‏ وكأب أو معلم أمر ولداً صغيراً أو سيد أمر عبداً مطلقاً الخ‏.‏ وهذا وإن كان في الثالث أمره له بالبينة فالتدمية كذلك لأنها ههنا قائمة مقام البينة‏.‏ وقوله‏:‏ وأنه يجد من ذلك ألم الموت إلى قوله إشهاداً صحيحاً الخ‏.‏ كله إن سقط من الرسم لم يضر، وكذا قوله عارفاً قدره لأنه محمول على معرفته، وكذا قوله وهو في صحة عقله إلى قوله وجواز الخ‏.‏ لأنه محمول على ثبات العقل والطوع والجواز حتى يثبت اختلال عقله وإكراهه، وأما السفيه فإنه يعمل بتدميتة، وقوله‏:‏ وعرفه احترازاً مما إذا سقطت المعرفة والتعريف والوصف فإن كان الشاهد معروفاً بالضبط والتحفظ صحت وإلا سقطت، والا أن تكون على مشهور معروف كما مّر‏.‏ قوله‏:‏ وعرف المدمى عليه لا يضر سقوطه إذا وصفه بصفاته التي يتميز بها كما يأتي آخر الباب في قوله‏:‏ وسوغت قسامة الولاة الخ‏.‏ فإن لم يصفه فلا يضر أيضاً لأن الأصل أنه هو حتى يثبت من يشاركه في البلد في اسمه ونسبه ‏(‏خ‏)‏ آخر القضاء‏:‏ وإن لم يميز ففي أعدائه أو لا حتى تثبت أحديته قولان‏.‏ أرجحهما أعداؤه وعليه إثبات أن هناك من يشاركه وسقوط التاريخ لا يضر أيضاً كما مر أول الكتاب، ثم إن الأولياء لا يمكنون من القسامة في هذا المثال، وفي غيره حيث لم يحضر جسده حتى يثبت موت المدمى كما قال ‏(‏خ‏)‏ إن ثبت الموت، ويأتي قول الناظم أيضاً بعد ثبوت الموت الخ‏.‏ ويكتب فيه عاين شهيداه يوم كذا فلاناً المدمى بمحوله أو أعلاه ميتاً أو تقول يعرف شهوده فلاناً معرفة تامة لعينه واسمه ونسبه، ومعها يشهدون بأنه توفي من الجرح الذي دمي به على فلان قبل أن يظهر برؤه وتتبين إفاقته، وفي كذا فإن سقط من الرسم قبل أن يظهر برؤه الخ‏.‏ لم يضر لأن الأصل الاستصحاب حتى يثبت برؤه وهم إنما علقوا الحكم بالقسامة على ثبوت الموت لا على كونه قبل البرء، وقول صاحب المفيد من تمام الشهادة أن يقولوا إن الجريح لم يفق من جرحه في علمهم الخ‏.‏ إنما يعني من تمامها على وجه الكمال لا على وجه الشرطية بدليل قول ابن مغيث وغيره‏:‏ إذا ثبتت صحة المدمى سقطت التدمية وبه الفتيا فقوله‏:‏ إذا ثبتت الخ‏.‏ صريح في أنه إذا لم تثبت فيبقى الأمر على حاله‏.‏

ثم أشار الناظم إلى خامس الأمور التي ينشأ عنها اللوث فقال عاطفاً على‏:‏ بمقالة الجريح أو على بعدل شاهد بما طلب‏.‏

أو بقتيلٍ مَعَهُ قد وُجِدَا *** مَنْ أَثَرُ الْقَتْلِ عليهِ قَدْ بَدَا

‏(‏أو بقتيل‏)‏ من نعته وصفته ‏(‏معه قد وجدا من‏)‏ بفتح الميم موصول نائب فاعل وجد ‏(‏ أثر القتل‏)‏ مبتدأ وجملة ‏(‏عليه قد بدا‏)‏ خبره، والجملة من المبتدأ والخبر صلة من ومعه يتعلق بوجد، والتقدير أو بمقتول قد وجد معه الشخص الذي أثر القتل قد بدا عليه، وهذا نحو قول الجلاب إن وجد قتيل وبقربه رجل معه سيف أو عليه شيء من دم أو عليه أثر القتل فهو لوث ‏(‏خ‏)‏ عاطفاً على ما يوجب اللوث أو رآه أي العدل الواحد أو العدلان يتشحط في دمه والمتهم قربه وعليه أثره الخ‏.‏ أي‏:‏ أو خارجاً من مكان المقتول ولم يوجد فيه غيره ولا مفهوم لقوله يتشحط كما يفيده مرَّ عن الجلاب، وقيل ليس ذلك بلوث، وبه قال ابن زرب، وأفتى به ابن عتاب قال ابن سهل‏:‏ وبه جرى العمل، وبه أفتى سيدي إبراهيم الجلالي حسبما في أول الدماء من العلمي لكن اقتصار ‏(‏خ‏)‏ وابن الحاجب على الأول يشعر بأن ذلك العمل قد نسخ وصار العمل على خلافه إذ لو كان ذلك العمل مستمراً ما صح لهما إهماله وعدم ذكره فلا تغتر بالعمل المذكور، ولا بما أفتى به الجلالي تبعاً لابن عتاب والله أعلم‏.‏ وفي ابن سهل عن مالك وابن القاسم في رجلين شهدا أنه مر بهما ثلاثة رجال يحملون خشبة ومعهم صبي هو ابن لأحدهم، فلما غابوا عنهما سمعا وقع الخشبة في الأرض وبكاء الصبي فاتبعاهم فوجدا الخشبة في الأرض والصبي يموت في حجر أبيه ومات من ساعته قال‏:‏ هي شهادة قاطعة تجب فيها الدية على عواقلهم وإن لم يشهدوا بالمعاينة‏.‏ قال ابن القاسم‏:‏ ومثله لو شهدا أنهما رأيا رجلاً خرج من دار في حال ريبة فاستنكراه فدخلا الدار من ساعتهما فواجدا قتيلاً يسيل دمه ولا أحد في الدار غير الخارج فهي شهادة قاطعة، وإن لم تكن على المعاينة يعني يثبت الدم فيها بدون قسامة‏.‏

وبقي على الناظم مثال سادس، وهو أن يشهد شاهدان بمعاينة جرح أو ضرب لحر مسلم أو غيرهما، سواء وجدا أثر الجرح والضرب أم لا‏.‏ ثم يتأخر الموت عن كلامه أو أكله أو شربه فيقسم الأولياء لمن ضربه أو جرحه مات ويستحقون الدم أو الدية في الخطأ، وفي غير المكافىء ولهم أن يتركوا القسامة ويقتصون من الجارح في العمد ويأخذون ديته في الخطأ‏.‏ ومثال سابع، وهو أن يشهد شاهد واحد على إقرار القاتل بالقتل عمداً إلا أن شهد على إقراره خطأ فليس بلوث لأن العاقلة لا تحمل الاعتراف على المعتمد وتكون الدية في ماله، نعم إن شهد شاهد بإقراره في الخطأ وشهد آخر بمعاينة القتل خطأ فلوث فيقسمون ويستحقون الدية على العاقلة، وهذه الأمثلة كلها في ‏(‏خ‏)‏ ما عدا اللفيف وغير العدل‏.‏ ويزاد أيضاً مثال ثامن، وهو السماع الفاشي بأنهم قتلوه كما مّر في الشهادات وأما ما في ‏(‏م‏)‏ من زيادة مثال شاهد على الإجهاز أي القتل أو على معاينة الضرب، ثم يموت بعد أيام فهو مستغنى عنه بالمثال الأول في النظم، وكذا ما زاده ‏(‏ت‏)‏ من قوله‏:‏ وكشاهد بذلك أي بالمعاينة إن ثبت الموت الخ‏.‏ فإنه مستغنى عنه إذ هو داخل في المثال الأول أيضاً، وأما قوله‏:‏ إن ثبت الموت فهو شرط في جميع أمثلة اللوث كما مر‏.‏

وَهْيَ بخَمْسِينَ يميناً وُزِّعَتْ *** عَلَى الذّكُورِ وَلأُنْثَى مُنِعَتْ

‏(‏وهي‏)‏ أي القسامة ‏(‏بخمسين يميناً‏)‏ الباء زائدة ولو حرك الهاء لاستغنى عنها ‏(‏ وزعت على الذكور‏)‏ المكلفين من الأولياء إن كانوا أقل من خمسين كولدين فيحلف كل منهما خمساً وعشرين، فإن انكسرت كثلاثة بنين حلف كل واحد منهم سبعة عشر، وكذا لو كانوا ثلاثين أخاً فإنه يجب لكل واحد يمين وثلثان فيحلف كل واحد يمينين فإن قالوا‏:‏ يحلف عشرون منا يمينين لكل واحد وعشرة يميناً لكل واحد لم يمكنوا من ذلك على الأصح، ولا يتأتى هنا جبرها على أكثر كسرها إنما يتأتى ذلك في الخطأ لأنه يحلفها كل من يرث وإن واحداً أو امرأة وفهم من قوله‏:‏ وزعت أنهم إذا كانوا أكثر من خمسين لا توزع بل يكتفي بحلف الخمسين وهو كذلك، وإذا كان العصبة خمسين أو أقل أو أكثر فطاع إثنان يحلف جميع الأيمان فإنه يكتفي بذلك ‏(‏خ‏)‏‏:‏ واجتزى باثنين طاعا من أكثر‏.‏ ‏(‏ولأنثى منعت‏)‏ فلا تحلف شيئاً من أيمانها لأن الحلف شهادة والأنثى لا تشهد في العمد، وظاهر أن العصبة يحلفونها وإن لم يرثوا بأن حجبهم ذوو الفروض وهو كذلك فإن لم يوجد للمقتول عاصب ولو من الموالي الأعلين صار المقتول بمنزلة من لا وارث له فترد الإيمان على المدمى عليه فإن حلفها ضرب مائة وحبس عاماً وإلا حبس حتى يحلف ولو طال سجنه، ثم إنهم إنما يمكنون من القسامة حيث كانت الشهادة بأنه ضربه أو جرحه وتأخر موته ولم يوجد جسده حياً ولا ميتاً‏.‏

بَعْدَ ثُبُوتِ الْمَوْتِ وَالْوُلاَةِ *** وَيَحْلِفُونَهَا عَلَى البَتَاتِ

‏(‏بعد ثبوت الموت‏)‏ كما مّر لاحتمال كونه حياً‏.‏ وقولي‏:‏ ضربه الخ‏.‏ احترازاً مما إذا شهد شاهد واحد على معاينة قتله أو على إقراره بالقتل فإنه لا يحتاج لثبوت الموت وإن رجع عن إقراره لأنه ثابت بما ذكر ‏(‏و‏)‏ بعد ثبوت ‏(‏الولاة‏)‏ وأنهم عصبته المستحقون لدمه فحينئذ يمكنون منها ‏(‏ويحلفونها‏)‏ ولاء ‏(‏على البتات‏)‏ لا على نفي العلم ‏(‏خ‏)‏ وهي خمسون يميناً متوالية بتاً وإن أعمى أو غائباً الخ‏.‏ وذلك لأن أسباب العلم تحصل بالسماع والخبر كما تحصل بالمعاينة فيعتمد كل واحد منهم على ذلك ويبت اليمين ‏(‏خ‏)‏‏:‏ واعتمد البات على ظن قوي الخ‏.‏ ففي الشاهدين بمعاينة الضرب أو الجرح، ثم يتأخر الموت يقسمون لمن ضربه أو جرحه مات وفي الشاهد لواحد بذلك يقسمون لقد ضربه ولمن ضربه مات في كل يمين من الخمسين، فإن شهد الواحد بمعاينة القتل فيقسمون لقد قتله كما مّر في المثال الأول، ثم إذا كان القتل خطأ فيحلف كل وارث منهم جميع حظه ولو قبل حلف أصحابه، ومن نكل سقط حظه من الدية، وأمّا في العمد فيحلف هذا يميناً وهذا يميناً فإذا كانوا عشرة حلف كل واحد منهم يميناً يميناً ثم تعاد فيحلف كل واحد كذلك، وهكذا لأنه في العمد إذا نكل واحد بطل الدم فتذهب أيمان من حلف باطلاً‏.‏

تنبيهان‏:‏

الأول‏:‏ إذا قتل الأولياء القاتل قبل القسامة فهل يقتلون وهو الذي في ابن عرفة عن ابن المواز لأنهم قتلوا قبل أن يستحقوا، أو يمكنون من القسامة فإن نكلوا قتلوا حينئذ، وبه أفتى المجاصي ومن وافقه، وهو الظاهر من كلام ابن عرفة آخراً وهو الذي ينبغي اعتماده كما يقتضيه كلام العلمي في نوازله‏.‏

الثاني‏:‏ لو صالح العصبة على مال بعد القسامة والحال أنهم محجوبون بذوي الفروض، فإن ما وقعت المصالحة به يكون ميراثاً بعد أن تقضى به ديونه ولا شيء للعصبة‏.‏ قال في المدونة‏:‏ ما أخذ في صلح العمد تقضى به ديون المقتول وباقيه يورث على فرائض الله ونحوه في أوائل الدماء من العلمي، وهذا ظاهر إذا لم يكن العصبة اشترطوا على الورثة أنهم إنما يصالحون إذا أسهموهم من مال الصلح قدراً معلوماً وإلاَّ فيعمل على شرطهم لأنهم إنما تركوا قتله حينئذ لمال يأخذونه فيوصى لهم بذلك والله أعلم‏.‏

وَتُقْلَبُ الأَيْمَانُ مهما نَكَلاَ *** وَليُّ مَقْتُولٍ عَلَى مَنْ قَتَلاَ

‏(‏وتقلب الأيمان‏)‏ أي أيمان القسامة ‏(‏مهما نكلا ولي مقتول‏)‏ أي نكلوا كلهم وهم في درجة وأحدة أو بقي واحد منهم ولم يجد معيناً يستعين به عليها ‏(‏على من قتلا‏)‏ أي تقلب على المدعى عليه، فإن كانوا جماعة حلف كل واحد منهم خمسين يميناً فمن حلفها برىء من القتل وضرب مائة وحبس عاماً، ومن نكل حبس حتى يحلف ولو طال سجنه على المشهور ‏(‏خ‏)‏‏:‏ ونكول المعين غير معتبر بخلاف غيره ولو بعدوا، فترد على المدعى عليهم ويحلف كل خمسين يميناً ومن نكل حبس حتى يحلف ولا استعانة الخ‏.‏ وقيل له أن يستعين فيحلف معه عصبته كما يستعين ولي المقتول بعصبته على ما يأتي، وقولي‏:‏ ولم يجد معيناً يستعين به عليها الخ‏.‏ إشارة إلى أنه لا يبطل الدم بنكول البعض لأن نكوله قد يكون على وجه التورع عن الأيمان في الغالب فللباقي أن يحلف إن كان متعدداً وإن كان واحداً فيستعين بعصبته ولا يبطل حقه كما جزم به ‏(‏ت‏)‏ تبع للشراح خلافاً لما في ابن رحال من أنه يبطل بنكول البعض، وفي المسألة أقوال ولكن الذي يجب اعتماده هو ما ذكرناه والله أعلم‏.‏

وَيَحْلِفُ اثنانِ بهَا فَمَا عَلاَ *** وَغَيْرُ وَاحِدٍ بهَا لَنْ يُقْتَلاَ

‏(‏ويحلف اثنان بها‏)‏ أي في قسامة العمد ‏(‏فما علا‏)‏ أي فما زاد عليهما ‏(‏خ‏)‏‏:‏ ولا يحلف في العمد أقل من رجلين عصبة من نسب القتيل وإن لم يرثوا بأن حجبهم ذوو الفروض كما مّر فإن لم يوجدوا فمواليه الذكور الأعلون لأنهم عصبة، وإنما لم يحلف أقل من رجلين لأن ذلك كالشهادة وهو لا يقتل بأقل من شاهدين، ولذلك لا يحلفها النساء لأنهن لا يشهدن في العمد فإن لم يوجد عاصب أصلاً فترد الأيمان على المدعى عليه كما مر‏.‏ فتحصل أن الأيمان تقلب فيما إذا لم يوجد عاصب أصلاً وفيما إذا وجدوا، ولكن نكلوا عنها أو عن بعضها فإن وجد عاصب واحد فله أن يستعين عليها بعصبة نفسه، وإن لم يكونوا عصبة للمقتول كامرأة مقتولة ليس لها غير ابنها وله أخوة من أبيه فيستعين بهم أو بواحد منهم أو بعمه، ثم إذا نكل هذا المستعان به فنكوله غير معتبر ‏(‏خ‏)‏‏:‏ وللولي الاستعانة بعاصبه إلى قوله ونكول المعين غير معتبر الخ‏.‏ يعني وينظر الولي من يستعين به غير هذا الناكل فإن لم يجد ردت الأيمان كما مر‏.‏ ‏(‏وغير واحد بها‏)‏ أي القسامة ‏(‏لن يقتلا‏)‏ فإذا قام اللوث على جماعة أو قال دمي عندهم أو قامت بينة بالسماع الفاشي أنهم قتلوه فالمشهور أنهم يقسمون على واحد منهم يعينونه لها ويقولون لقد قتله أو لمن ضربه أو جرحه مات ولا يقولون لقد قتلوه أو لمن ضربهم أو جرحهم مات ‏(‏خ‏)‏‏:‏ ووجب بها الدية في الخطأ والقود في العمد من واحد يعين لها الخ‏.‏ وقال أشهب‏:‏ يقسمون على جميعهم ثم يختارون واحداً للقتل‏:‏

قلت‏:‏ وهو أظهر لأن الأولياء تارة يترجح لهم الأقوى فعلاً فيقسمون عليه، وتارة لا يترجح لهم فيقسمون على الجميع لئلا يحلفوا غموساً، والمشهور يقول في هذه إما أن يحلفوا غموساً أو يبطل حقهم فلزم عليه أنه ترجيح بلا مرجح مع لزوم الغموس أو إهدار دم المقتول، وأشهب لا يلزمه إلاَّ الترجيح بلا مرجح والله أعلم‏.‏ وعلى المشهور لو قدم واحد منهم للقتل بعد القسامة عليه بعينه فأقر غيره بأنه الذي قتله خير الأولياء في قتل واحد منهما ولا يمكنون من قتلهما معاً قاله ابن القاسم في الموازية والمجموعة‏.‏ ثم أشار إلى أنه لا قسامة في غير الحر المسلم وفي غير محقق الحياة فقال‏:‏

وليس في عبْدٍ ولا جَنينِ *** قَسَامَةٌ وَلاَ عَدُوِّ الدِّينِ

‏(‏وليس في‏)‏ قتل ‏(‏عبد ولا جنين قسامة ولا‏)‏ في قتل ‏(‏عدو الدين‏)‏ من ذمي أو معاهد ولا في جرح فإذا قال العبد أو الكافر‏:‏ دمي عند فلان أو قالت المرأة‏:‏ جنيني عند فلان فيحلف المدعى عليه يميناً واحدة ويبرأ وكذا إن قال شخص‏:‏ جرحني فلان فإن المدعى عليه يحلف لرد دعواه ما لم تكن تقدمت بينهما عداوة على ما يأتي في فصل الجراح، فإن قام شاهد واحد على معاينة قتل العبد أو ضرب المرأة أو على إقرار القاتل أو الضارب بذلك أو شهادة سماع على ذلك ونحو ذلك من أمثلة اللوث حلف سيد العبد يميناً واحدة وأخذ قيمته وولي الكافر وأخذ ديته ولو من كافر مكافىء للمقتول ووارث الجنين وأخذ غرته، وإن نكلوا حلف القاتل واحدة أيضاً وبرىء فإن ثبت ضرب المرأة حتى ألقت جنينها بشاهد واحد وماتت كانت القسامة في المرأة ويمين واحدة مع الشاهد في الجنين، إذ لا مدخل للقسامة في الجنين، وكذلك في الجرح يحلف مع شاهده واحدة ويقتص في العمد ويأخذ الدية في الخطأ‏.‏ ‏(‏خ‏)‏‏:‏ ومن أقام شاهداً على جرح أو قتل كافر أو عبد أو جنين حلف واحدة وأخذ الدية يعني‏:‏ واقتص في جرح العمد وإن نكل برىء الجارح ومن معه إن حلف وإلا يحلف غرم في الصور كلها ما عدا جرح العمد فإنه يحبس حتى يحلف‏.‏

والقوَدُ الشَّرْطُ بهِ المُثْلِيَّه *** في الدَّمِ بالإسْلامِ وَالحُرِّيَّهْ

‏(‏والقود‏)‏ وهو القصاص سمي قوداً لأن العرب كانت تقود الجاني بحبل وتسلمه لولي الدم ‏(‏الشرط‏)‏ مبتدأ ثان ‏(‏به‏)‏ أي فيه ‏(‏المثلية‏)‏ خبر عن الثاني وهما خبران عن الأول ‏(‏في الدم‏)‏ يتعلق بالشرط ‏(‏بالإسلام‏)‏ الباء بمعنى في يتعلق بالمثلية ‏(‏ والحرية‏)‏ معطوف على الإسلام والتقدير‏:‏ والقود في الدم أي القتل شرط فيه زيادة على شرطية التكليف المتقدمة المثلية في الحرية والإسلام من حين السبب أي الرمي إلى حين المسبب أي الموت‏.‏ وتقدم أن من جملة الشروط أن يكون القاتل غير حربي فلا يقتل حربي بمسلم ولا مسلم ولو عبداً بكافر ولو حراً كذمي ولا حر مسلم برقيق ولو مسلماً، وكذا لو رمى عبد رقيقاً مثله في الدين فعتق الرامي قبل موت المرمى لم يقتل به لزيادة الرامي بالحرية حين المسبب أي الموت وإنما عليه قيمته، ولو رمى حربي مسلماً ثم صار الرامي من أهل الإسلام أو أهل الذمة ثم مات المرمى لم يقتل به لأنه حربي حين السبب ولا شيء عليه، ولو رمى حر ذمي عبداً ذمياً ثم حارب الرامي فأخذ واسترق ثم مات المرمى لم يقتل به لزيادة الرامي حين السبب عليه بالحرية وإن ساواه حين الموت، وكذا لو رمى مسلم كافراً أو مرتداً فأسلم قبل وصول الرمية إليه ثم وصلته لم يقتل لزيادة الرامي عليه بالإسلام حين السبب وإن ساواه حين القتل، وعليه دية مسلم عند ابن القاسم كمن رمى صيداً وهو حلال فلم تصل الرمية إليه حتى أحرم فعليه جزاؤه‏.‏ ‏(‏خ‏)‏‏:‏ إن أتلف مكلف وإن رق غير حربي ولا زائدة حرية أو إسلام حين القتل فالقود الخ‏.‏ واحترز الناظم بقوله في الدم أي في القتل من الجرح فإنه لا يقتص من الأدنى للأعلى كما يأتي في فصله إن شاء الله‏.‏

وَقَتْلُ مُنْحَطٍ مَضَى بالعالِي *** لا العكْسُ والنساءُ كالرِّجَالِ

‏(‏وقتل منحط مضى بالعالي‏)‏ فيقتل العبد المسلم بالحر المسلم، وكذا الكافر بالمسلم ولو عبداً لأنه أشرف منه ‏(‏لا لعكس‏)‏ أي لا يقتل العالي بالمنحط عنه لعدم وجود المثلية فهو مستغنى عنه لأنه اشترط في القود أن يماثله من حين السبب أي الرمي إلى حين المسبب أي الموت، فإذا كان أعلى منه بالحرية أو الإسلام حين السبب أو المسبب لم يقتل به كما مر في الأمثلة، ويفهم من هذا أنه إذا حدث العلو بالإسلام والحرية بعدهما أي السبب والمسبب لم يسقط القصاص فإذا قتل عبد مثله أو كافر مثله ثم أسلم الكافر أو أعتق العبد فلا يسقط القصاص لأن المانع إذا حصل بعد ترتب الحكم لا أثر له ‏(‏خ‏)‏‏:‏ ولا يسقط القتل عند المساواة بزوالها بعتق أو إسلام الخ‏.‏ ومثل القتل الجرح فإذا قطع رِجل أو يد حر مسلم ثم ارتد المقطوعة يده فالقصاص، ويفهم أيضاً من حصره العلو في الحرية والإسلام أنه لا علو إلا بهما، وهو كذلك إذ لا أثر لعلو بشرف وفضل أو عدالة أو سلامة أعضاء أو رجولية، بل يقتل الشريف بالمشروف والعدل بالفاسق والصحيح بالمريض وبالأعمى والمقطوع والرجل بالمرأة كما قال‏:‏ ‏(‏والنساء كالرجال‏)‏ وكذا لا أثر للعدد أيضاً فتقتل الجماعة بالواحد ‏(‏خ‏)‏‏:‏ وقتل الأدنى بالأعلى كحر كتابي بعبد مسلم والكفار بعضهم ببعض من كتابي ومجوسي ومؤمن كذوي الرق وذكر وصحيح وضديهما الخ‏.‏ فقوله‏:‏ والكفار الخ‏.‏ أي لأن الكفر كله ملة واحدة فيقتل الكتابي بالمجوسي والمؤمن بغيره، وقوله‏:‏ كذوي الرق أي ولو كان القاتل ذا شائبة فإنه يقتل بمن لا شائبة فيه، وقوله وضديهما أي ضد الذكر المرأة وضد الصحيح السقيم فيقتل الرجل بالمرأة والصحيح بالمريض، وقال أيضاً‏:‏ ويقتل الجمع بواحد والمتمالئون وإن بسوط سوط والمتسبب مع المباشر الخ‏.‏

وَالشّرطُ في المقْتُولِ عِصمَةُ الدَّمِ *** زِيادةٌ لِشَرْطِهِ الْمُسْتَقْدَمِ

‏(‏والشرط في المقتول‏)‏ الذي يقتص له من قاتله ‏(‏عصمة الدم‏)‏ من حين السبب الذي هو الرمي إلى حين الموت فلو قتل مسلم زانياً محصناً أو قاتل غيلة فلا يقتص منه لعدم عصمة دمهما وإن كانا متساويين له في الحرية والإسلام، بل لو قتلهما ذمي لم يقتل بهما لعدم عصمة دمهما وإنما عليه الأدب للافتيات على الإمام، وكذا لو رمى مسلم مثله فارتد المرمى قبل وصول الرمية إليه فوصلت إليه ومات فإنه لا يقتل به وكذا لو جرحه فارتد المجروح أو زنى في حال إحصانه ثم نزى ومات لأنه صار إلى ما أحل دمه في الصورتين ولم تستمر عصمته للموت، وإنما عليه دية المرتد ولا شيء عليه في المحصن غير الأدب لافتياته على الإمام‏.‏ وكذا لو رمى كتابي مرتداً فجرحه ثم أسلم المرتد ونزى ومات فإنه لا يقتل به لأنه حين السبب كان غير معصوم ‏(‏زيادة‏)‏ منصوب على الحال أي حال كون العصمة زيادة ‏(‏لشرطه‏)‏ أي على الشرط في القصاص ‏(‏المستقدم‏)‏ لأنه تقدم له أنه يشترط في القصاص ثبوت القتل عمداً، وكون القاتل مكلفاً مكافئاً للمقتول أي غير زائد عليه بحرية أو إسلام وغير حربي، ويزاد على ذلك كون المقتول معصوم الدم لأنه قد يكون مكافئاً في الحرية والإسلام، ولكن دمه غير معصوم كما مر‏.‏ ولو أبدل الناظم هذا الشطر بقوله‏:‏ من حالة الرمي لوقت العدم، لوفى بالمراد‏.‏ وقد اشتمل كلامه من أول الفصل إلى هنا على أركان القصاص الثلاثة كما تقدم التنبيه عليها، والفقهاء يطلقون على الركن شرطاً وبالعكس، وأشار ‏(‏خ‏)‏ لهذا الركن بقوله‏:‏ معصوماً للتلف والإصابة الخ‏.‏ أي معصوماً للموت لا حين الجرح فقط وللإصابة لا حين الرمي فقط‏.‏

وإنْ وَلِيُّ الدَّمِ للمَالِ قَبِلْ *** والقوْدَ استحقَّهُ فيمن قُتِلْ

‏(‏وإن ولي الدم‏)‏ فاعل بفعل محذوف يفسره ما بعده ‏(‏للمال‏)‏ اللام زائدة لأنه مفعول لقوله ‏(‏قبل‏)‏ المفسر للمحذوف المذكور ‏(‏و‏)‏ الحال أن ‏(‏القود استحقه‏)‏ الولي المذكور ‏(‏فيمن‏)‏ أي في قريبه الذي ‏(‏قتل‏)‏ ومعناه أن الولي إذا قبل المال كان أقل من الدية أو أكثر، وقد كان استحق القود في قريبه المقتول بالشروط المتقدمة ففي ذلك قولان لأشهب وابن القاسم‏.‏

فأشهبُ قال لِلاستِحْيَاءِ *** يُجْبَرُ قاتلٌ على الإعْطَاءِ

‏(‏فأشهب قال للاستحياء يجبر قاتل على الإعطاء‏)‏ للمال الذي قبله الولي إذا كان ملياً به‏.‏

وليسَ ذا في مَذْهبِ ابنِ القَاسِمِ *** دونَ اخْتيارِ قاتِلٍ بِلاَزمِ

‏(‏وليس ذا في مذهب ابن القاسم دون اختيار قاتل بلازم‏)‏ الإشارة بذا للجبر المتقدم أي ليس الجبر على دفع المال الذي قبله الولي لازماً في مذهب ابن القاسم دون اختيار القاتل له ورضاه به، لأن الواجب عنده هو القود أو العفو مجاناً والدية لا تكون إلا برضاهما معاً، فإذا قال القاتل‏:‏ إما أن تقتص أو تعفو مجاناً‏.‏ وقال الولي‏:‏ إنما أعفو على مال قدره كذا وأنت ملي به، فإن القاتل لا يجبر على ذلك في مذهب ابن القاسم وهو المشهور ‏(‏خ‏)‏ فالقود عيناً‏.‏ وقال أشهب‏:‏ ورواه عن مالك يجبر لأنه وجد سبيلاً لحقن دمه فليس له أن يسفكه قال‏:‏ ولو فداه من أرض العدو لكان عليه ما فداه به فالولي عنده مخير بين أن يقتص أو يقبل الدية فيجبر القاتل على دفعها حيث كان ملياً بها‏.‏ واختاره اللخمي وهو مقتضى الحديث كما في ‏(‏ح‏)‏‏.‏

وعفوُ بعضٍ مُسقِطُ القَصاصِ *** ما لم يكن من قُعْدُد انتِقاصِ

‏(‏وعفو بعض‏)‏ الأولياء المستحقين للدم المتساوين في الدرجة كابن من الأبناء أو عم من الأعمام ‏(‏مسقط القصاص‏)‏ لأن عفوه يتنزل منزلة عفو الجميع ‏(‏خ‏)‏‏:‏ وسقط إن عفا رجل كالباقي أي مساوٍ للباقي في الدرجة، وإذا سقط بعفو البعض فلمن لم يعف نصيبه من دية عمد كما قال أيضاً‏:‏ ومهما أسقط البعض فلمن بقي نصيبه من دية عمد ‏(‏ما لم يكن‏)‏ العافي ‏(‏من قعدد انتقاص‏)‏ أي أبعد من درجة من بقي فعبر بانتقاص عن الأبعد فكأنه يقول‏:‏ يسقط القصاص بعفو البعض ما لم يكن البعض العافي من قعدد أبعد من قعدد من بقي من ولاة الدم كعفو العم مع وجود الأخ أو عفو الأخ مع وجود الابن فإنه لا يسقط القصاص بذلك إذ لا كلام للأبعد مع الأقرب‏.‏

واعلم أن المستحقين للدم تارة يكون جميعهم رجالاً وتارة يكون جميعهم نساء، وتارة يكونون رجالاً ونساء فالقسم الأول يسقط القتل بعفو واحد منهم وترتيبهم كالنكاح فيقدم الابن فابنه فأخ فابنه إلا الجد والأخوة فهما في مرتبة واحدة فلا يقدم أحدهما على الآخر ‏(‏خ‏)‏‏:‏ والاستيفاء للعاصب كالولاء إلا الجد والأخ فسيان، والقسم الثاني إما أن يحزن الميراث كله أو لا فإذا لم يحزنه كالبنات أو الأخوات فلهن القتل وإن عفا بعضهن نظر السلطان ‏(‏خ‏)‏‏:‏ وإن عفت بنت من بنات يعني أو أخت من أخوات أو بنات ابن نظر السلطان فيمضي ما يراه سداد وصواباً من عفو أو قتل، وإنما كان ينظر لأنه يرث الباقي، وإذا اجتمعت الأم مع البنات فلا كلام للأم في عفو وعدمه بل الكلام للبنات فقط كما في الشامل وغيره، وإن حزن الميراث كبنت وأخت فالبنت أولى بالقتل أو بالعفو ‏(‏خ‏)‏‏:‏ والبنت أولى من الأخت في عفو وضده، والقسم الثالث‏:‏ إما أن يكون الرجال والنساء في درجة واحدة أم لا‏.‏ فإن كانوا في درجة واحدة كبنين وبنات أو إخوة وأخوات فلا كلام للنساء في عفو ولا ضده، فهو كما لو انفرد الرجال وحدهم كما في القسم الأول، وإن لم يكونوا في درجة واحدة، بل كان الرجال أبعد فإما أن يحوز النساء الميراث كله أم لا‏.‏ فإن لم يحزنه كالبنات والأخوة والأعمام فلا عفو إلا باجتماع البعض من الفريقين، والقول لمن طلب القتل حيث انفرد أحد الفريقين بالعفو وثبت القتل بقسامة أو بينة، وإن حزنه كالبنات والأخوات والأعمام فإن ثبت القتل بقسامة فلا عفو إلا باجتماعهم أيضاً، وإن ثبت بغيرها فلا كلام للعصبة معهن، وإلى هذا القسم أشار ‏(‏خ‏)‏ عاطفاً على الاستيفاء للعاصب بقوله‏:‏ وللنساء أي والاستيفاء للنساء إن ورثن ولم يساوهن عاصب ولكل القتل ولا عفو إلا باجتماعهم كأن حزن الميراث وثبت بقسامة الخ‏.‏ فاحترز بقوله‏:‏ إن ورثن من نحو العمة والخالة فإنه لا كلام لهما ولو انفردتا لعدم إرثهما، ولا بد أن يكون النساء الوارثات لو قدرن ذكراً لعصبن لتخرج الأخت للأم والزوجة والجدة للأم لأنهن لا كلام لهن، وإن ورثن ولتدخل الأم لأنها لو قدرت ذكراً عصبت، واحترز بقوله‏:‏ ولم يساوهن عاصب مما لو ساواهن عاصب فإنه لا كلام لهن معه كما مر في الحالة الأولى من هذا القسم، وقوله‏:‏ ولكل القتل لو أخره عن قوله‏:‏ ولا عفو إلاّ باجتماعهم لكان أولى يعني إذا لم يحز النساء الميراث وعصبهن عاصب أسفل منهن فلا عفو إلا باجتماع البعض من الفريقين وإلاَّ فالقول لمن طلب القتل كما مر في الحالة الثانية من هذا القسم أيضاً‏.‏ وقوله‏:‏ كأن حزن الميراث الخ‏.‏ هي الحالة الثالثة منه، والتشبيه في قوله‏:‏ ولكل القتل ولا عفو إلا باجتماعهم، ومفهومه إذا ثبت القتل بغير قسامة لا كلام لعاصب معهن، وقد نظم هذه الأقسام سيدي عبد الواحد الوانشريسي بقوله‏:‏

إذا انفرد الرجال وهم سواء *** فمن يعفو يبلغ ما يشاء

ودع قول البعيد بكل وجه *** كأن ساوت بقعددهم نساء

فإن يكن النساء أدنى فتمم *** بوفق جميعهم عفوا تشاء

وإن إرثاً يحزن فدع رجالاً *** إذا ثبتت فلا قسم دماء

فالبيت الأول وشطر الثاني هو ما احتوى عليه القسم الأول من هذه الأقسام، وقوله‏:‏ كأن ساوت الخ‏.‏ هو الحالة الأولى من القسم الثالث‏.‏ وقوله‏:‏ فإن يكن النسا أدنى الخ‏.‏ شامل للحالة الثانية والثالثة منه إلا أنه في الثالثة إذا حزن الميراث وثبت بقسامة ومعنى أدنى أقرب أي أقرب من الرجال، ويقرأ النسا بالقصر للوزن وقوله‏:‏ وإن إرثاً يحزن الخ‏.‏ هو مفهوم ثبت بقسامة من الحالة الثالثة، وبقي عليه القسم الثاني من الأقسام الثلاثة وهو‏:‏ ما إذا لم يكن معهن عاصب أصلاً، ولذا ذيله الشيخ ‏(‏م‏)‏ بقوله‏:‏

كذا إذا انفردن وحزن مالاً

فحكم للقريبة ما تشاء *** وإن إرثاً يشط لبيت مال

فحاكمنا يجنب ما يشاء وإنما أطلنا في هذه المسألة وتعرضنا لشرح نظمها لتشعبه وتشعبها على كثير من الطلبة‏.‏

تنبيه‏:‏

إذا لم يكن للمقتول مستحق لدمه لا من الرجال ولا من النساء فإن الإمام يقتص له وليس له العفو إلا أن يكون القاتل والمقتول كافرين ثم يسلم القاتل‏.‏

وشُبْهَةٌ تدرَؤهُ وَمِلْكُ *** بعضِ دمِ الذي اعتَرَاه الهلْكُ

‏(‏وشبهة تدرؤه‏)‏ أي القصاص وتوجب الدية على العاقلة كضرب الزوج لزوجته والأب لولده والمعلم للمتعلم بآلة يؤدب بمثلها، ويحمل فعله على الخطأ لا بما لا يؤدب بمثله كلوح فهو على العمد كما مر أول الباب قال في الشامل‏:‏ ومن جاز له فعل بضرب وشبهه حمل على الخطأ حتى يثبت العمد كأب وزوج ومعلم وطبيب وخاتن الخ ‏(‏و‏)‏ كذا يدرؤه ‏(‏ ملك بعض دم الذي اعتراه الهلك‏)‏ وهو المقتول كأربعة أولاد قتل أحدهم أباه فالدم للثلاثة، فإذا مات أحدهم سقط القصاص عن القاتل لإرثه من أخيه الميت بعض دم الأب فصار كعفو البعض، وأحرى لو ملك جميع دمه كابنين قتل أحدهما أباه ثم مات غير القاتل فورثه القاتل ‏(‏خ‏)‏‏:‏ تشبيهاً في سقوط القصاص كإرثه ولو قسطاً من نفسه وإرثه كالمال الخ‏.‏ وما بعد المبالغة هو نص الناظم‏.‏ وهذا الحكم إنما هو إذا كان الباقي يستقل بالعفو، وأما إن كان لا يستقل كما لو كانوا رجالاً ونساء والتكلم للجميع كمن قتل أخاه وترك المقتول بنتين وثلاثة أخوة أشقاء غير القاتل فمات أحدهم فقد ورث القاتل قسطاً من دم نفسه فلا يسقط القتل حتى تعفو البنتان أو إحداهما‏.‏

وحيثُ تَقْوَى تُهمةٌ في المدَّعَى *** عليه فالسِّجْنُ له قد شُرِعَا

‏(‏وحيث تقوى تهمة في المدعى عليه‏)‏ ولم تصل إلى حد اللوث الموجب للقسامة وأحرى لو وصل إلى حد القسامة ولم يوجد من يطلبها أو تورع الأولياء عنها ‏(‏فالسجن‏)‏ الطويل ‏(‏ له قد شرعا‏)‏ حتى يكشف أمره، وظاهره ولو كان مجهول الحال ولو بمجرد الدعوى وهو كذلك كما مر في بابي السرقة والغصب، وقد تقدم هنا ما فيه كفاية‏.‏ وفي ابن سلمون‏:‏ وإن قويت عليه تهمة ولم تتحقق تحقيقاً يوجب القسامة حبس الحبس الطويل‏.‏ قال ابن حبيب‏:‏ حتى تتحقق براءته أو تأتي عليه السنون الكثيرة‏.‏ قال مالك‏:‏ ولقد كان الرجل يسجن في الدم باللطخ والشبهة حتى إن أهله يتمنون له الموت من طول سجنه اه‏.‏ وتقدم أنه ربما يسجن أبداً وأنه يضرب وذلك يختلف باختلاف شهرته بذلك وعدم شهرته، وفي أحكام ابن سهل الكبرى‏:‏ ومن جاءك وعليه جراح مخوفة فاحبس المدعى عليه بالدم حتى يصح المجروح أو تتبين حالة توجب إطلاقه، ومن جاءك معافى في بدنه من الجراح يدعي على رجل ضرباً مؤلماً فإن ثبت تعدي المدعى عليه فعزره وإن رأيت حبسه فذلك إليك على ما يظهر لك من شنعة ما يثبت عليه، ومن جاء بجرح خفيف وهو ممن يظن به أنه يرتكب مثل هذا من نفسه فاسلك به سبيل المعافى من الجراح، فإذا فعلت هذا ارتفعت اليد العادية وانتفعت به العامة وحفظت بذلك دماؤهم وأموالهم اه‏.‏ باختصار‏.‏

والعفوُ لا يُغْنِي عَنِ القَرَابهْ *** في القَتْلِ والْغَيْلَةِ وَالحِرَابهْ

‏(‏والعفو لا يغني من القرابة‏)‏ يتعلق بمحذوف صفة للعفو والتقدير‏:‏ والعفو الكائن من القرابة حال كونه كائناً ‏(‏في القتل والغيلة والحرابة‏)‏ لا يغني عن قتل القاتل لأن القتل فيهما حد من حدود الله تعالى لا يجوز إسقاطه لا للإمام ولا لغيره، فهذا البيت كالتخصيص لعموم قوله‏:‏ وعفو بعض مسقط القصاص الخ‏.‏ فنبه هنا على أن ذلك خاص بغير الغيلة والحرابة، وأما هما فلا عفو فيهما، وظاهره ولو كان المقتول غيلة وحرابة كافراً أو عبداً، وظاهره أيضاً ولو جاء تائباً ولو لم يباشر القتل بل أعان عليه ولو بجاهه وهو كذلك في الجميع ‏(‏خ‏)‏‏:‏ وبالقتل يجب قتله ولو بكافر أو إعانة ولو جاء تائباً وليس للولي العفو الخ‏.‏ لكن إذا جاء المحارب تائباً قبل القدرة عليه سقط حق الله وبقي حق الآدمي فله العفو حينئذ كما لشراحه فأما الغيلة فهي من أنواع الحرابة وهي أن يقتله لأخذ ماله أو زوجته أو ابنته، وكذا لو خدع كبيراً أو صغيراً فيدخله موضعاً خالياً ليقتله ويأخذ ماله ‏(‏خ‏)‏‏:‏ ومخادع الصبي أو غيره ليأخذ ما معه‏.‏ قال في الرسالة‏:‏ وقتل الغيلة لا عفو فيه‏.‏ الجزولي‏:‏ يعني لا للمقتول ولا للأولياء ولا للإمام لأن الحق فيه لله تعالى اه‏.‏ وظاهره ولو جاء تائباً وهو كذلك، وقيل إذا جاء تائباً للولي العفو كالمحارب والغيلة لا تثبت إلا بعدلين لا بشاهد وقسامة كما مر، وأما الحرابة فتثبت حتى بالشهرة ‏(‏خ‏)‏‏:‏ ولو شهد اثنان أنه المشتهر بها ثبتت وإن لم يعايناها‏.‏

ومائةً يُجْلَدُ بالأحْكَامِ *** مَن عنه يُعْفَى مَعْ حَبْسِ عامِ

‏(‏ومائة يجلد‏)‏ أي يضرب ‏(‏في الأحكام من عنه يعفى‏)‏ بعد ثبوت القتل عليه عمداً ببينة أو إقرار أو لوث بعد القسامة أو قبلها، ولو قام اللوث على جماعة وقسموا على واحد عينوه لها فإن على أصحابه ضرب مائة ‏(‏مع حبس عام‏)‏ بعد الجلد المذكور ولا يحسب فيه سجنه قبل ذلك، ول مفهوم لقوله‏:‏ يعفى بل كذلك إذا لم يكن عفو، ولكن سقط القتل لعدم التكافىء ‏(‏خ‏)‏‏:‏ وعليه أي القاتل عمداً ولو عبداً أو ذمياً جلد مائة ثم حبس سنة وإن بقتل مجوسي أو عبد الخ‏.‏ والحبس قبل العفو لا بد فيه من الحديد بخلافه بعده فيحبس بغير حديد، وتقدم في باب السرقة أن القتل إذا ثبت بإقرار رجع عنه وعفا عنه الولي لا حبس فيه ولا ضرب‏.‏

والصّلحُ في ذاك مع العَفْوِ استوَى *** كما هما في حُكْمِ الإسقاطِ سَوَا

‏(‏والصلح في ذاك‏)‏ القصاص المتقدم ‏(‏مع العفو‏)‏ مجاناً ‏(‏استوى‏)‏ في جلد مائة وسجن عام لأن الضرب والسجن المذكورين حقان لله لا يسقطان بالعفو مجاناً ولا بالصلح على مال ‏(‏كما هما‏)‏ أي العفو والصلح ‏(‏في حكم الإسقاط‏)‏ للقتل ‏(‏سوا‏)‏ وهذا الشطر تتميم للبيت‏.‏

وَديَةُ العَمْدِ كذاتِ الخَطَإ *** أو ما تَرَاضَى فيه بينَ المَلإ

‏(‏و‏)‏ حيث عفا بعض المستحقين للدم أو صالح أو عفوا كلهم أو بعضهم على دية مبهمة، فالواجب لمن لم يعف ولم يصالح في ذلك كله ‏(‏دية العمد‏)‏ كما تقدم في قوله ‏(‏خ‏)‏‏:‏ ومهما أسقط البعض فلمن بقي نصيبه من دية عمد لا ينقص له من نصيبه منها شيء إلا برضاه لتقرر الدية في ذمة القاتل بعفو البعض أو صلحه وقدرها‏.‏ ‏(‏كذات الخطا‏)‏ في كونها مائة من الإبل إلا أنها تكون مربعة بحذف ابن اللبون كما يأتي فيأخذ من لم يعف، ولم يصالح نصيبه منها حيث كانوا من أهل الإبل أو من قيمتها حيث كانوا من أهل بقر أو غنم، ويأخذ نصيبه من ألف دينار إن كانوا من أهل الذهب، وهكذا‏.‏ وقولي‏:‏ مبهمة مثاله أن يقول‏:‏ عفوت عنك على دية ويرضى القاتل فإن قدرها حينئذ كذات الخطأ فإن بين شيئاً كأن يقول‏:‏ عفوت عنك على ألف عبد أو بقرة أو جمل، ونحو ذلك من قليل أو كثير عمل عليه حيث رضي القاتل بذلك كما قال‏:‏ ‏(‏أو‏)‏ للتنويع أي نوع منها قدره كذات الخطأ وهو ما تقدم ونوع منها قدره ‏(‏ما تراضى فيه‏)‏ القاتل ‏(‏بين‏)‏ أي مع ‏(‏ الملأ‏)‏ أي جماعة الأولياء كان ما تراضوا عليه مثل دية الخطأ أو أقل أو أكثر ‏(‏خ‏)‏‏:‏ وجاز صلحه في عمد بأقل أو بأكثر أي لأن العمد لا شيء فيه مقدر من الشارع، فإن لم يرض القاتل بدفع المال وقال‏:‏ إنما لك القتل أو العفو مجاناً فإنه لا يجبر على مذهب ابن القاسم ويجبر على قول أشهب كما مر‏.‏

تنبيه‏:‏

إذا عفا الولي عن القاتل عفواً مطلقاً لم يذكر فيه دية ثم بعد ذلك قال‏:‏ إنما عفوت لأجل الدية فإنه لا يصدق في ذلك إلا أن يظهر من حاله وقرائن الأحوال أنه أراد ذلك كقوله عند العفو‏:‏ لولا الحاجة ما عفوت عنه أو يكون الولي فقيراً أو القاتل ملياً كما في ابن رحال فإنه يحلف ويبقي على حقه إن امتنع القاتل ‏(‏خ‏)‏‏:‏ ولا دية لعاف مطلقاً إلا أن يظهر إرادتها فيحلف ويبقي على حقه إن امتنع الخ‏.‏ وظاهره كظاهر المدونة أنه إذا علمت القرينة عند العفو يصدق سواء قام بالقرب أو بعد طول وهو كذلك خلافاً لما في الزرقاني‏.‏

وَهْيَ إذا ما قُبِلَتْ وسُلِّمَتْ *** بحَسَبِ المِيراثِ قَدْ تَقَسَّمَتْ

‏(‏وهي‏)‏ أي دية العمد ‏(‏إذا ما‏)‏ زائدة ‏(‏قبلت‏)‏ من القاتل تكون حالة عليه لا منجمة إلا برضا الأولياء وتكون في ماله لا على العاقلة فإن كان عديماً اتبعت ذمته بها ‏(‏و‏)‏ إذا ‏(‏سلمت‏)‏ للأولياء ودفعت لهم فإنها ‏(‏بحسب الميراث قد تقسمت‏)‏ على فرائض الله تعالى بعد قضاء ديونه فتأخذ منها الزوجة والأخ للأم ولا شيء لأهل الوصايا منها لأنه مال طرأ لم يعلم به الموصي والوصايا إنما تدخل فيما علم به كما مر في بابها، بل لو قال‏:‏ إن قبل أولادي الدية، أو قال‏:‏ وصيتي فيما علمت وفيما لم أعلم لم تدخل الوصايا في شيء من الدية، ابن رشد‏:‏ لأنه مال لم يكن، نعم إن أنفذت مقاتله وقبل وارثه الدية وعلم بقبوله إياها فإن الوصايا حينئذ تدخل في الدية، سواء كانت الوصايا قبل العلم أو بعده ‏(‏خ‏)‏‏:‏ بخلاف العمد فلا تدخل الوصايا في ديته إلا أن ينفذ مقتله ويقبل وارثه الدية وعلم الخ‏.‏ بخلاف دية الخطأ فإن الوصايا تدخل فيها إن عاش بعد الجرح ما يمكنه فيه التغيير فلم يغير، وظاهر قول الناظم‏:‏ بحسب الميراث الخ‏.‏ ولو ثبت القتل بقسامة العصبة المحجوبين بذوي الفروض مثلاً وهو كذلك كما مر عند قوله‏:‏ ويحلفونها على البتات الخ‏.‏ ثم أشار إلى قدر الدية وحبسها وهي كما قال ابن عرفة‏:‏ مال يجب بقتل آدمي حر عن دمه أو بجرحه مقدراً شرعاً لا باجتهاد الخ‏.‏ فقوله مال يشمل الإبل وغيرها، وذلك يختلف باختلاف الناس، وخرج بالحر العبد فإنما فيه القيمة أو ما نقصه إن برىء على شين، وخرج بقوله مقدراً شرعاً الحكومة فإنها بالاجتهاد كما يأتي في قوله‏:‏ وفي جراح الخطأ الحكومة الخ فقال‏:‏

وَجُعِلتْ دِيةُ مُسلِمٍ قُتِلْ *** على البوادِي مائةً مِنَ الإبِلْ

‏(‏وجعلت دية‏)‏ حر ‏(‏مسلم قتل‏)‏ خطأ أو عمداً وعفي عنه على دية مبهمة أو عفا البعض أو صالح فلمن لم يعف ولم يصالح نصيبه من الدية كما مر أو قدرها في الخطأ والعمد المذكورين ‏(‏على‏)‏ أهل ‏(‏البوادي‏)‏ القاتلين ‏(‏مائة من الإبل‏)‏ إن كانوا أهل إبل إلا أنها في الخطأ مخمسة كما يأتي منجمة على العاقلة في ثلاث سنين تحل بأواخرها، والجاني كواحد منهم، وأما في العمد فهي على القاتل وحده حالة عليه مربعة كما قال‏:‏

والحُكْمُ بالتَّرْبِيع في العَمْدِ وَجَبْ *** وألفُ دِينارٍ على أهْلِ الذّهَبْ

‏(‏والحكم بالتربيع في العمد وجب‏)‏ فيؤدي خمساً وعشرين من كل صنف من الأصناف الآتية ‏(‏خ‏)‏‏:‏ وربعت في عمد بحذف ابن اللبون، وفهم منه أنها لا تربع في الذهب والفضة أي لا تغلظ فيهما، وهو كذلك على المشهور بخلاف المثلثة الآتية في قوله‏:‏ وغلظت وثلثت في الإبل، فإنها تغلظ فيها كما يأتي ‏(‏و‏)‏ قدرها ‏(‏ألف دينار على أهل الذهب‏)‏ كالشامي والمصري والمغربي وصرف الدينار إثنا عشر درهماً شرعياً كما تقدم في باب النكاح‏.‏

وَقَدْرُها على أُوْلي الوَرقِ اثْنَا *** عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ لا أَدْنَى

‏(‏وقدرها لأهل ورق‏)‏ بسكون الراء لغة كالعراق وفارس وخراسان‏.‏ ‏(‏اثنا عشر ألف درهم لا أدنى‏)‏ من ذلك فإن لم يكونوا من أهل الإبل ولا الذهب ولا الورق بل كانوا أهل خيل أو بقر أو غنم فهل يكلفون بما يجب على أقرب الحواضر إليهم أو يكلفون بدفع قيمة الإبل لأنها الأصل واستظهر الأول‏.‏ وفهم من النظم أن المعتبر أهل القاتل في جميع هذه الأمور لا أهل المقتول، وفهم منه أيضاً أن أهل الإبل إذا أرادوا أن يؤدوها من الذهب أو أهل الذهب أرادوا أن يؤدوها من الإبل لا تقبل منهم إلا برضا الأولياء ويراعى في ذلك حينئذ بيع الدين فلا يجوز أخذ ذهب عن ورق لأجل لأنه صرف مؤخر، ويجوز مع حلولهما وتعجيلهما لأنه صرف لما في الذمة وصرف ما في الذمة جائز بعد حلولهما لا قبله، وأما أخذ العرض نقداً من أهل الذهب أو الورق فجائز ولو لم يحل كبيع الدين، ويجوز أخذ الثوب أو الذهب أو الورق من أهل الإبل إن عجل بالفعل، وإلاَّ فلا‏.‏ لما يلزم عليه من فسخ الدين في الدين، ولا يجوز أيضاً أخذ إبل أو ذهب أو ورق أقل من الواجب قبل حلول أجلها لما يلزم عليه من ضع وتعجل، ولا أخذ أكثر لأبعد من الأجل لأنه سلف بزيادة‏.‏

ونِصْفُ ما ذُكِرَ في اليَهُودِ *** وفي النّصَارى ثَابتُ الوُجودِ

‏(‏ونصف ما ذكر‏)‏ وهو خمسون من الإبل مخمسة في الخطأ ومربعة في العمد أو خمسمائة دينار أو ستة آلاف درهم ‏(‏في‏)‏ قتل ‏(‏اليهودي‏)‏ ذمياً أو معاهداً ‏(‏و‏)‏ الحكم كذلك ‏(‏في‏)‏ قتل الواحد من ‏(‏النصارى‏)‏ وقوله ‏(‏ثابت الوجود‏)‏ خبر عن نصف والمجرور متعلق به قال ‏(‏ت‏)‏‏:‏ وكان من حقه أن يزيد هنا بيتاً فيقول مثلاً‏:‏

وفي المجوسي وفي المرتد *** ثلث خمس فادره بالعد

ويقرأ ثلث بضم اللام، وخمس بسكون الميم للوزن فدية المجوسي، والمرتد من الذهب ستة وستون ديناراً وثلثا دينار، ومن الفضة ثمانمائة درهم، ومن الإبل ستة أبعرة وثلثان‏.‏

وفي النِّسَاءِ الحُكْمُ تَنْصِيفُ الدّيهْ *** وحالُهُ في كلِّ صِنْفٍ مُغْنِيَهْ

‏(‏وفي النساء‏)‏ من كل صنف تقدم مسلمات أو كتابيات أو مجوسيات أو مرتدات‏.‏ ‏(‏الحكم تنصيف الدية‏)‏ فدية كل امرأة على نصف دية ذكر ملتها ‏(‏وحاله‏)‏ أي التنصيف ‏(‏في كل صنف مغنيه‏)‏ عن بيانها فيجب في المسلمة خمسون من الإبل، وفي اليهودية والنصرانية خمس وعشرون، وفي المجوسية والمرتدة ثلاثة أبعرة وثلث، وقس على ذلك في الذهب والورق ‏(‏خ‏)‏‏:‏ وفي الكتابي والمعاهد نصفه، والمجوسي والمرتد ثلث وخمس وأنثى كل نصفه‏.‏

وَتَجِبُ الديةُ في قَتلِ الخَطَا *** والإبِلُ التّخميسُ فيها قُسِّطا

‏(‏وتجب الدية في قتل الخطا‏)‏ ومنه عمد الصبي والمجنون وما لا يقتص منه من الجراح لإتلافه كجائفة وآمة وكسر فخذ فإن ذلك كله على العاقلة، وإنما وجبت الدية في الخطأ لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ومن قتل مؤمناً خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله‏}‏ ‏(‏النساء‏:‏ 92‏)‏ ‏(‏والإبل‏)‏ المأخوذة فيها ‏(‏التخميس‏)‏ مبتدأ ثان خبره ‏(‏فيها قسطا‏)‏ عشرون بنت مخاض وهي التي دخلت في السنة الثانية وعشرون بنت لبون وهي ما دخلت في الثالثة، وعشرون ابن لبون كذلك، وعشرون حقة وهي ما دخلت في الرابعة وعشرون جذعة وهي ما دخلت في الخامسة، وتقدم أنها تربع في العمد بحذف ابن لبون‏.‏

تَحمِلُهَا عاقِلَةٌ للقاتِلِ *** وَهْيَ القَرَابةُ مِنَ الْقَبَائِلِ

‏(‏تحملها‏)‏ أي دية الخطأ ‏(‏عاقلة للقاتل‏)‏ وهو كواحد منهم وتكون منجمة عليهم كما يأتي ‏(‏وهي‏)‏ أي العاقلة ‏(‏القرابة من القبائل‏)‏ أراد الطبقات التي ينتسب إليها القاتل بدليل قوله‏:‏ بعد الأدنى فالأدنى فيبدأ بالفصيلة ثم الفخذ ثم البطن ثم العمارة بالفتح ثم القبيلة ثم الشعب بالفتح، وقد نظمها بعضهم فقال‏:‏

قبيلة قبلها شعب وبعدهما *** عمارة ثم بطن يتلوه فخذ

وليس يأوى الفتى إلا فصيلته *** ولا سداد لسهم ماله قذذ

جمع قذة وهي ريش السهم، فهذه طبقات قبائل العرب، فبنو العباس مثلاً فصيلة، وبنو هاشم فخذ، وبنو قصي بطن، وقريش عمارة وكنانة قبيلة، وخزيمة شعب‏.‏ وقول ابن الحاجب‏:‏ يبدأ بالفخذ يعني إذا لم يكن في الفصيلة كفاية، وهذا الترتيب المذكور هو الذي في ابن الحاجب وهو المذهب وهو راجع إلى اللغة ‏(‏خ‏)‏‏:‏ وهل حد العاقلة سبعمائة أو الزائد على ألف‏؟‏ قولان‏.‏ وعلى الأول العمل كما في نظم العمل المطلق فإذا وجد هذا العدد مثلاً من الفصيلة لا يضم إليهم الفخذ وإلاَّ ضم إليهم وهكذا، وعليه فيقال في قبائل المغرب‏:‏ يبدأ بمد شر القاتل الذين هم إخوانه وقرابته، فإن لم تكن فيهم كفاية ولم يحصل منهم العدد المذكور فجماعته، فإن لم تكن فيهم كفاية فربع قبيلته إن كان القبيلة منقسمة أرباعاً مثلاً، فإن لم تكن فيهم كفاية فجميع قبيلته، فإن لم تكن فيهم كفاية فأقرب القبائل إليهم وهو معنى قول ‏(‏خ‏)‏‏:‏ وغيره وهي أي العاقلة العصبة وبدىء بالديوان إن أعطوا ثم يبدأ بها أي بالعصبة الأقرب فالأقرب، ثم الموالي الأعلون ثم الأسفلون، ثم إذا لم يكن للقاتل عصبة ولا قبيلة فبيت المال يعقل عنه إن كان الجاني مسلماً، فإن لم يكن بيت مال أو كان ولكن لا يمكن الوصول إليه، فالدية على الجاني وحده بناء على المشهور من أنه كواحد من العاقلة وعلى مقابله تسقط‏.‏ وقوله‏:‏ وبدىء بالديوان الخ‏.‏ يعني أنه يقدم الديوان على عصبة الجاني الذين ليسوا معه في الديوان، والديوان عبارة عن الذمام الذي يجمع فيه الإمام أفراد الأجناد على عطاء يخرج لهم من بيت المال في أوقات معلومة أي‏:‏ فيقدمون قبل عصبة الجاني، وإن كانوا من قبائل شتى لأجل تناصرهم، فإن لم تكن فيهم كفاية فيعينهم العصبة الذين ليسوا معه في الديوان، وهكذا على الترتيب المتقدم‏.‏ وما ذكره من أنه يبدأ بالديوان هو الذي في الموازية والعتبية وهو خلاف ظاهر المدونة من أن العقل على القبائل على الترتيب المتقدم كان الجاني داخلاً في ديوان أم لا‏.‏ وهو المعتمد والقول بتبدئة الديوان ضعيف كما للخمي‏.‏

تنبيهان‏:‏

الأول‏:‏ في نوازل العلمي أنه لا عاقلة في هذا الزمان، ولا يمكن الوصول لبيت المال، فالدية في مال الجاني، وسيأتي مثله لابن رحال عند قوله‏:‏ كذا على المشهور من معترف الخ‏.‏

الثاني‏:‏ عاقلة الذمي أهل دينه الذين معه في بلده فلا يعقل يهودي مع نصراني ولا عكسه، والمعاهد إذا قتل أحداً فإن الدية في ماله لأنه لا عاقلة له، ثم العاقلة إنما تحمل الدية‏.‏

حيثُ ثبوتُ قَتْلِهِ بالبيِّنَه *** أَوْ بِقَسامَةٍ له مُعَيَّنَهْ

‏(‏حيث ثبوت قتله بالبينة‏)‏ التامة ‏(‏أو بقسامة‏)‏ بشروطها المتقدمة ‏(‏له‏)‏ أي للقتل خطأ ‏(‏معينة‏)‏‏.‏ ومفهوم بالبينة أو القسامة أن القتل إذا ثبت باعتراف القاتل لا تحمل ديته العاقلة، وهو كذلك كما يأتي في قوله‏:‏ كذا على المشهور من معترف الخ‏.‏ لأن العاقلة لا تحمل عمداً عداء ولا اعترافاً ولا قاتل نفسه عمداً أو خطأ ولا ما دون الثلث كدية موضحة، وأما ما بلغ الثلث كدية الجائفة فتحمله كما يأتي في البيت الثالث بعده، ثم من الاعتراف إقرار المرأة أنها نامت على ولدها حتى قتلته ‏(‏خ‏)‏‏:‏ ونجمت دية الحر بلا اعتراف على العاقلة الخ‏.‏ فمفهومه أن الاعتراف لا يكون على العاقلة، بل هو في مال الجاني فلو نام الرجل مع زوجته فأصبح الولد ميتاً ولا يدري من رقد عليه فهو هدر كما أفتى به ابن عبد السلام، وأما المرأة الهاربة عن رضيعها حتى مات الولد من عدم اللبن فقال ابن هارون‏:‏ ديته على عاقلتها، وقاسها بالمسافرين الذين منعوا الماء حتى ماتوا عطشاً‏.‏ ابن فرحون‏:‏ إذا شربت الحامل دواء فألقت جنينها فلا شيء عليها إذا كان الدواء مأموناً يعني لا غرة عليها، ولو سقت ولدها دواء فمات فلا شيء عليها‏.‏

يَدفَعُها الأَدْنَى فالأَدْنى بِحَسَبْ *** أحوالِهِم وحكْمُ تَنجِيمٍ وَجَبْ

‏(‏يدفعها‏)‏ إلى دية الخطأ ‏(‏الأدنى‏)‏ للقاتل ‏(‏فالأدنى‏)‏ له فإن كان في الفصيلة كفاية لم يلزم الفخذ شيء كما مر‏.‏ وتقدم هل حدها سبعمائة الخ‏؟‏ وتقسط عليهم ‏(‏بحسب أحوالهم‏)‏ وقدر طاقتهم ‏(‏خ‏)‏‏:‏ وضرب على كل ما لا يضر أي‏:‏ فالغني بحسبه وغيره بحسبه‏.‏ قال في المناهج‏:‏ لا حد لما يؤخذ من كل واحد منهم، وإنما ذلك على قدر اليسر والعسر وهو الصحيح اه‏.‏ وقال الشافعية‏:‏ يؤخذ من الغني نصف دينار وهو الذي ملك عشرين ديناراً بعد المسكن وما يحتاج إليه، ومن المتوسط ربع دينار وهو الذي يملك أقل من ذلك اه‏.‏ ولا تسقط على فقير ولا امرأة، ولو وقع القتل منهما كما يأتي في قوله‏:‏ من موسر الخ‏.‏ ‏(‏ وحكم تنجيم‏)‏ للدية الكاملة على العاقلة في ثلاث سنين ‏(‏وجب‏)‏ فتؤدي في آخر كل سنة ثلثها وابتداء التنجيم من يوم الحكم لا من يوم القتل أو الخصام، واحترزت بالكاملة من غيرها كما لو وجب ثلث الدية كجائفة، فإنها تؤجل بسنة والثلثان كآمة وجائفة بسنتين، فإن كان الواجب نصفاً كقطع يد فسنتان للثلث سنة وللسدس سنة أخرى، وكذا لو كان الواجب ثلاثة أرباع الدية كقطع يد وأصبعين وسن واحدة بخمس وسبعين من الإبل فثلثاها بسنتين، وللزائد سنة أخرى ‏(‏خ‏)‏‏:‏ ونجم في الثلاثة الأرباع بالتثليث وللزائد سنة‏.‏

من مُوسِرٍ مُكَلَّفٍ حُرَ ذكَرْ *** موافِقٍ في نِحْلَةٍ وفي مَقَرْ

ثم بين من تقسط عليه بقوله‏:‏ ‏(‏من موسر مكلف حر ذكر‏)‏ فلا تقسط على فقير ولا صبي ولا مجنون ولا عبد ولا امرأة، وظاهره ولو وقع القتل منهم وهو كذلك ‏(‏خ‏)‏‏:‏ وعقل عن صبي ومجنون وامرأة وفقير وغارم ولا يعقلون أي‏:‏ لا يعقلون عن أنفسهم ولا عن غيرهم، والمراد بالغارم المديان الذي ليس له ما يفي بالدين أو يبقى بيده ما يعد به فقيراً، وشمل قوله‏:‏ مكلف السفيه فإنه كالرشيد في العقل عن نفسه وعن غيره، وفهم منه أن المعتبر وقت الضرب والتقسيط، فإذا أسلم الكافر أو عتق العبد أو بلغ الصبي بعد الضرب وقبل أدائها فلا شيء عليهم ولا يقسط ما ضرب على الغني بفقره بعد‏.‏ ‏(‏موافق في نحلة‏)‏ أي دين فلا يعقل مسلم عن كافر مطلقاً، ولو من عصبته على تقدير إسلامه ولا عكسه ولا يهودي عن نصراني ولا عكسه‏.‏ ابن الحاجب‏:‏ ولا نضرب على فقير ولا مخالف في دين الخ‏.‏ وليس المراد بالنحلة المال المنحول أي المعطى في الدية لأن هذا هو قوله‏:‏ ‏(‏وفي مقر‏)‏ أي محل القرار والسكنى ‏(‏خ‏)‏‏:‏ ولا دخول لبدوي مع حضري أي‏:‏ ولو من عصبة القاتل، ولا شامي مع مصري ولو من عصبته أيضاً مطلقاً اتحد جنس الدية عند كل أم لا، وذلك لأن العلة التناصر والبدوي لا ينصر الحضري، وكذلك الشامي مع المصري، وإنما الدية على أهل قطره، فإن لم يكن فيهم العدد المعتبر فيضم أقرب الأقطار إليهم كما مر‏.‏ ثم أشار إلى ما لا تحمله العاقلة فقال‏:‏

وكونُهَا مِن مال جانٍ إنْ تَكُنْ *** أَقَلَّ مِن ثُلْثٍ بذَا الحُكْمُ حَسَنْ

‏(‏وكونها‏)‏ أي الدية وما في معناها من الغرة والحكومة ‏(‏من مال جان‏)‏ حالة عليه ‏(‏ إن تكن‏)‏ هي أي الدية وما في معناها ‏(‏أقل من ثلث‏)‏ دية المجني عليه ودية الجاني معاً فمتى نقصت عن ديتهما معاً فهي في مال الجاني حالة عليه كجناية حر مسلم على مثله موضحة أو هاشمة أو قطع أصبع من مسلمة ونحو ذلك، ومتى بلغت ثلث ديتهما معاً أو ثلث دية أحدهما حملتها العاقلة، فإذا قطع مسلم من مجوسية أصبعين فتحمل ذلك عاقلته، وإن لم يبلغ ذلك ثلث ديته والإصبعان أكثر من ثلث ديتها لأن لها فيهما مثل ما للرجال من أهل دينها، وذلك مائة وستون درهماً وثلث ديتها مائة وثلاثة وثلاثون درهماً وثلث درهم، وكذلك كل امرأة دية إصبعها أكثر من ثلث ديتها لأنها تساوي ذكرها لثلث ديته ثم ترجع لديتها، فإذا قطع مسلم أصبعين من ذمية فلها فيهما عشر من الإبل لأنها كذكرها فيهما فتحمل ذلك عاقلته لأن عشراً من الإبل أكثر من ثلث خمسة وعشرين التي هي ديتها، وإن قطعت مجوسية أصبعاً واحداً من مسلم حر فذلك على عاقلتها لأن ذلك أكثر من ثلث ديتها بل ومن جميع ديتها لأن عشراً من الإبل الواجبة في قطع أصبع المسلم أكثر من ثلاثة أبعرة وثلث التي هي دية المجوسية وهكذا‏.‏ ‏(‏بذا الحكم حسن‏)‏ بضم السين وهو المشهور ‏(‏خ‏)‏‏:‏ ونجمت دية الحر الخطأ بالاعتراف على العاقلة والجاني إذا بلغ ثلث دية المجني أو الجاني وما لم يبلغ فحال عليه الخ‏.‏ واحترز بالحر من العبد فإن قيمته على الجاني كما مر، وإن كان هو الجاني فذلك في رقبته وظاهر النظم و‏(‏خ‏)‏ إن ما لم يبلغ الثلث هو في مال الجاني ولو كان صبياً أو مجنوناً، وهو كذلك كما قرر به الزرقاني وصرح به في الشامل فقال‏:‏ والدية على عاقلتهما إن بلغت الثلث وإلاَّ ففي مالهما أو ذمتهما إن لم يكن لهما مال الخ‏.‏ واعتراض الشيخ بناني على ‏(‏ز‏)‏ ساقط‏.‏

كذا على الْمَشْهُورِ مِنْ مُعْتَرِفِ *** تُؤْخَذُ أَوْ مِنْ عَامِدٍ مُكَلَّفِ

‏(‏كذا على المشهور من‏)‏ مال ‏(‏معترف‏)‏ بالقتل خطأ أو بالجرح خطأ ‏(‏تؤخذ‏)‏ حالة من العاقلة، وبه صدر في الشامل، وبه قرر ‏(‏خ‏)‏ شراحه‏.‏ وفي المسألة أقوال‏.‏ أحدها‏:‏ ما تقدم وقيل على العاقلة بقسامة من الأولياء، وقيل على العاقلة أيضاً ما لم يتهم المقر بإغناء الورثة لكونهم أقرباء له أو ملاطفين له، وقيل إن كان المقر عدلاً، والذي تجب به الفتوى، وعليه اقتصر ابن الحاجب وعزاه ابن الجلاب لمذهبها وهو في الديات منها، ورجحه ابن مرزوق وابن رحال في شرحه‏:‏ أن المقر إذا أقر لمن لا يتهم عليه وكان عدلاً مأموناً لا يخشى عليه أخذ الرشوة فالدية على العاقلة بقسامة، فإن أبوا أن يقسموا فلا شيء لهم على العاقلة ولا على المقر، ومنه تعلم أن المرأة لا يقبل اعترافها بنومها على ولدها لاتهامها بإغناء إخوانه أو أبيه، هذا إذا كان المعترف له عاقلة، وأما إذا كان لا عاقلة له فقيل في ماله أيضاً، وقيل في بيت المال، وقيل ما ينوبه في ماله ويسقط الباقي، وقيل هدر‏.‏ قال أبو الحسن‏:‏ وكان الفقيه راشد يفتي بأنها في ماله أخذ ذلك من قول ابن القاسم في المعاهد يقتل مسلماً خطأ إن ذلك في ماله إذ لا يتوصل إلى عاقلته وبيت المال متعذر اه‏.‏ قال ابن رحال‏:‏ وما أفتى به الفقيه راشد يقوي القول بأن دية الاعتراف على المقر لأن بيت المال اليوم متعذر والأخذ من القبائل كذلك بلا ريب، فإن الأخذ من القبائل إنما يكون بسطوة السلطان والاعتناء بذلك من السلطان غير كائن ومن شك فإن العرب بالباب اه‏.‏ وهذا صريح في أن الأخذ من العاقلة متعذر اليوم لعدم اعتناء السلاطين بذلك وهو ما تقدم عن نوازل العلمي‏.‏ ‏(‏أو من عامد مكلف‏)‏ أي‏:‏ وكما أن الدية تؤخذ من المعترف بالخطأ ولا تحملها العاقلة، كذلك تؤخذ من العامد إذا كان مكلفاً لا إن كان صبياً أو مجنوناً فإن عمدهما كالخطأ تحمله العاقلة إن بلغت الثلث، وإلاَّ ففي مالهما كما مر، وكذلك لا تحمل العاقلة دية غلظت على الأب وإن علا في عمد لم يقتل به كما يأتي في قوله‏:‏ وغلظت فثلثت في الإبل، وكذلك لا تحمل العمد الذي سقط فيه القصاص لعدم المماثل بخلاف العمد الذي لا قصاص فيه لإتلافه كجائفة ومأمومة وكسر فخذ، فإنه ملحق بالخطأ فتحمله العاقلة إن بلغت الحكومة في كسر الفخذ ثلث الدية كما مر ‏(‏خ‏)‏‏:‏ مشبهاً فيما لا تحمله العاقلة ما نصه كعمد ودية غلظت وساقط لعدمه إلا ما لا يقتص منه من الجراح لإتلافه فعليها‏.‏